"مكانة وليم اوكام الفلسفية فى القرن الرابع عشر

عبير عبد القوى سجرى ( داراسة تحليلية )" جامعة عين شمس كلية الآداب قسم الدراسات الفلسفية الدكتوراه 2008 269

   بينما كان القرن الثالث عشر عصر بناء للمذاهب الفكرية الكبرى التي تنشد الجمع بين العقل والعقيدة،  فإن الأمر تغير في القرن الرابع عشر،  حيث نجد نقداً للعقل ينتهي إلى التشكك فيه والإرتكان للدين وحده،  مما حتم الفصل بين هذين القطبين.  ولقد بدأ النقد مع ""دنس سكوت"" وتزايد بحيث بدا القرن الرابع عشر سلبياً هداماً للماضي.  فبعد تكوّن المذاهب الشامخة وصولاً إلى قمة التركيب المذهبي مع الأكويني،  أضحت الحال هو محاولة نقد وتفكيك هذه الأبنية المنطقية الشامخة.

        ولا شك أن الهدم والتفكيك في القرن الرابع عشر،  كان له أثره الإيجابي فيما يتعلق بالمستقبل،  إذ أن محاولة تخليص الفلسفة من الدين،  والفصل بينهما أعادها إلى ما كانت عليه عند اليونان،  وفي ذات الوقت  ظهرت بوادر العلم الحديث.

ولا غرو أن ثمة ثلاث تيارات رئيسة ميزت هذا العصر وهي:

التيار الأول:  تيار علمي طبيعي حاول أن يستمر على نهج خطي روجر بيكون، وكان مقره أكسفورد.

التيار الثاني:  تيار تأثر بالرشدية اللاتينية عند سيجر البرابنتي،  وكان تياراً مبتدعاً،  وأكثر صراحة في تعبيره عن ذاته.

التيار الثالث:  تيار تميز بعدم إكتراثه بالناحية الدينية،  من حيث صلتها بالعقل،  بعد أن يأس من التوفيق بين العقل والنقل،  فانصرف بعض مفكريه إلى العلوم العملية.  بينما لجأ البعض الآخر إلى التصوف للوصول إلى الحقيقة الدينية.

 

        وينتمي "" وليم أوكام"" إلى التيار الأول ذى النزعة العلمية، كما يعد من أبرز مفكري القرن الرابع عشر،  بل وأكثرهم تأثيراً،  ويرجع البعض سبب شهرته إلى نقده الفلسفة،  بل وفصله بينها وبين الدين من جهة،  وبين السلطتين الدينية والمدنية من جهة أخرى.

       

       ولقد كان أوكام علامة هامة في تاريخ الاتجاه الاسمي،  بل أعظم الاسميين –  كما ذهب البعض –  إذ لقب بالموجه الموقر للاسمية وأمير الاسميين،  وذلك لأنه طبق المذهب الاسمي على مسائل الفلسفة واستخرج النتائج( ).  كما يعد من أكبر الشارحين للتراث الأرسطي،  حيث استخدم في هذا الشرح منهجاً تفسيرياً متطوراً مؤسساً على الحجج المنطقية،  وإبراز الدلالات اللفظية للنص المشروح.  والخطوة الأولى في هذا المنهج هي النقد حيث يتم الهدم،  ثم تأتي الخطوة الثانية وهي إعادة بناء النص بمجموعة من القواعد اللغوية( ).

 

        كما يرجع بعض المفكرين أهمية أوكام  في الفكر الوسيط،  إلى توظيفه لنظريته في المعرفة،  في إعادة طرح مسائل اللاهوت المختلفة،  حيث أدى إلى حدوث نوع من الفصل بين مجال العقل ومجال النقل،  فأضحى ما يقول به العقل

يتجاوز كثيراً ما يدعو إليه الوحي،  وكذا كل ما أتى به الوحي لا يمكن للعقل البرهنة عليه، ومن ثم لا يجب إقحام العقل في أمور العقيدة.

والسؤال الآن:  لماذا ""وليم أوكام""؟  وما هي أهميته ولماذا تم اختياره موضوعاً لهذه الدراسة؟  والإجابة عن ذلك تتكون من ثلاث نقاط:

أولها :  أن أوكام لم يُدرس بعد بالقدر الكافي، بالرغم من ثرائه الفكري، مما يجعله موضوعاً جديراً بالبحث.

ثانيها:  أنه لا توجد كتابات أو أبحاث باللغة العربية تناولت فكر أوكام بالتفصيل،  لذا فهو من الشخصيات المغمورة بالنسبة للمكتبة العربية.

ثالثها:  أنه جاء في القرن الرابع عشر الميلادي،  وهذا معناه أنه كان يمثل همزة وصل وفصل في آن واحد.ٍ فهو همزة فصل من حيث أنه بعد قراءته للفلسفة وبخاصة الوسيطية منها قراءة واعية،  إتخذ  موقفاً نقدياً واضحاً من المشكلات الفلسفية التي تناولها،  وهو من ناحية أخرى همزة وصل لأنه كان تمهيداً لحركة النهضة والإصلاح الديني التي بدأت في نهاية القرن الرابع عشر،  والتي دشنت فصل الدين عن الدولة،  ولا شك أن ""وليم أوكام"" كان له دور في هذا الصدد.

 

أما عن أهداف هذه الدراسة فتمثلت فى ثلاثة أمور رئيسية:

أولاً :  الوقوف على المقومات الأساسية للفكر الأوكامي،  من خلال كتاباته.

ثانيا:  كشف النقاب عن حقيقة هذا الفكر،  هل هو بالفعل ""ثورة"" كبرى –  كما ذهب الكثيرون –  في مجال المعرفة والميتافيزيقا وكذا الفلسفة العملية،  مما جعل من صاحبه -  بحق -  مبشراً بعصر النهضة ؟  أم لم تتوافر لهذا الفكر المقومات التي تؤهله بأن يُلقب بالثورة الأوكامية؟

ثالثاً:  لا شك أن المكتبة العربية في حاجة إلى دراسة عن ""وليم أوكام"" الذي لم يأخذ حقه من البحث والدراسة في عالمنا العربي رغم أهميته القصوى بالنسبة للعصرين:  الوسيط والحديث على حد سواء.

 

        أما عن المنهج الذي إعتمدنا عليه في هذه الدراسة،  فهو المنهج التحليلى,

       

       وقد قسمنا الدراسة إلى مقدمة وخاتمة وخمسة فصول ,فى المقدمة بينا إشكالية الدراسة والمنهج المستخدم,وكذا بينا أقسام الدراسة.

       أما الفصل الأول وعنوانه: ""القرن الرابع عشر إطاراً""،  تناولنا فيه الأحوال السياسية والعقائدية والثقافية والاجتماعية التي سادت في عصر وليم أوكام.

      وفى الفصل الثاني وعنوانه"" ""مشكلة المعرفة"" فقد أوضحنا فيه موقف أوكام من مشكلة المعرفة مقارنة بموقف السابقين عليه ,وتبين لنا مدى أهمية هذه المشكلة عند أوكام , إذ مثلت الركيزة الأساسية لكل فكره .  وبحثنا فى هذا الفصل  الموضوعات الآتية:  أولاً:  طبيعة المعرفة ودورها.  ثانياً:  مشكلة الكليات.  ثالثاً:  المنطق والسميوطيقا.

 

        الفصل الثالث وعنوانه: ""مشكلة الألوهية""  فقد أوضحنا فيه الإزدواجية التى عالج بها أوكام هذه المشكلة .     ومن خلال معالجته لهذا الموضوع وجدنا كيف أن ""أوكام"" لم ينجح في تحقيق بغيته المنشودة –  والتي تعد نتيجة طبيعية لمذهبه في المعرفة -  ألا وهي الفصل التام بين كل من ميدان العقل وميدان الإيمان،  فثمة أمور تخص العقيدة وحدها،  ولا يجب إقحام العقل فيها.  فلقد أقحم العقل وبقوة في مسائل الإيمان.  وليس أدل على ذلك من استشهاده بأرسطو لإثبات وجهة نظره الخاصة بموضوع الألوهية . واشتمل هذا الفصل على العناصر الأتية:   أولاً:  اللاهوت الطبيعي.  ثانياً:  موقف أوكام من  أدلة وجود الله.  ثالثاً: أدلة أوكام على وجود الله والعلم الإلهي المسبق.

 

        وعالجنا في الفصل الرابع وعنوانه:  ""الأخلاق"" موقف أوكام من مشكلة الأخلاق , وبات واضحاً من خلال مناقشته كيف أنه وقع – كثيراً – تحت طائلة الأزدواجية.  فبعد أن أعلى من حرية الإرادة الإنسانية،  أنكر ذلك وأكد ضرورة خضوعها للإرادة الإلهية المطلقة والتي تمثل مصدراً للأخلاق.

 

        كما إتضحت هذه الأزدواجية عند حديثه عن الفعل الأخلاقي، حيث منحه سمة الحيادية،  وما يحدد كون الفعل خيراً أو شراً نية فاعله ولكنه عاد ومنح لكل من الخير والشر معنى، إذ ذهب إلى أن وصف الفعل بالخير أو الشر وقفاً على التزام الفاعل أو عدم إلتزامه بأوامر الله.وتناولنا فى هذا الفصل الموضوعات التالية:  أولاً:  النفس العاقلة وعلاقتها بالبدن.  ثانياً:  الإرادة الإنسانية ومشكلة الخير والشر.  ثالثاً:  الإرادة الإلهية مصدراً للأخلاق.

 

           أما فى الفصل الخامس وعنوانه: ""السياسة"" فقد إنتهينا إلى نتيجة هامة    وهي عدم إمكانية وصف الفكر السياسي الأوكامي بكونه ""ثورة""وذلك إذا عنينا بالثورة الهدم وإعادة البناء ,أما إذا قصرنا مفهوم الثورة على الهدم والنقد لكل ماهو قديم ,حينئذ يمكن القول أن أوكام قد أحدث ثورة فى الفكر السياسى . وقد عالجنا فى هذا الفصل المشكلات التالية:  أولاً:  السياسة عند ""أوغسطين"".  ثانياً:  معارك لاهوتية سياسية.

 

     أما الخاتمة ,فقد أوجزنا فيها أهم النتائج التى توصلنا إليها خلال الدراسة, فلقد تميز فكر أوكام بكونه لم يكن تقليدياً , بل أحدث ثورة وإن لم تكن بناءة بقدر ما كانت ناقدة هدامة لكل القديم ,للتراث."


انشء في: أربعاء 21 نوفمبر 2012 09:14
Category:
مشاركة عبر